دفنا الماضي
sparkles
في المرتبة الأولى
دفنا الماضي
دفنا الماضي
sparkles
في المرتبة الأولى

عبد الكريم غلاب

دفنا الماضي ، 1966

ست طبعات

المكتب التجارى للطباعة والتوزيع والنشر ، بيروت

شركة الطبع والنشر ، الدار البيضاء (1973) و (1979)
مطبعة الرسالة ، الرباط (1980)
وزارة الثقافة والاتصال المغربية ، الرباط (2001)
دار نشر المعرفة ، الرباط (2011)

(فازت بجائزة الكتاب للمغرب سنة 1968)

كانت هذه الرواية الرائدة في مرحلة ما بعد الاستعمار أول رواية مغربيّة مكتوبة باللغة العربية المغربية. تتابع القصة جيلين من عائلة التهامي التي يميز أفرادها جوانب مميزة من المجتمع المغربي ، وتعكس حياتهم التغيرات الاجتماعية العميقة التي تحدث خلال هذه الفترة.

----------------------------------------------------

الماضي بكل أنواره ومباهجه وأحلامه وذكرياته، يسكن أعماقنا، عقولنا وأفكارنا وأحلامنا وذكرياتنا وواقعنا...
عشناه في الأيام السعيدة من حياتنا مع الآخرين الذين لن تتخلى عنهم الذاكرة اليقظة المستنيرة.
رغم كل عثراته ومغامراته وسقطاته يبسم لنا دائما ليذكرنا بالمستقبل اللامع...
نعمل كل شجاعتنا لنتخلى عن الماضي متشبتين بالحاضر بالمستقبل، ولكنه يسكن أعماقنا، لا لنعيش فيه، ولكنه ليحيطنا برعايته ونحن نخطو نحو المستقبل.
هذه الرواية أظلمت الماضي حينما حاولت أن تدفنه؟
ولكنها بعثت أمجاده وحيويته حينما جعلت من كل قارئ من قرائها صديقا حميما لماضيه يبتسم له وهو يقرأ سطوره وليستعيد ذكرياته. 
«دفنا الماضي»، الحائزة على جائزة المغرب للكتاب، تعرض عليكم صداقتها من جديد في طبعة سادسة.

----------------------------------------------------

 دعوة الحق - العدد 97

إلى الأستاذ عبد الكريم غلاب 
تحياتي الصادقة وتقديراتي الوافرة
وبعد فلقد كنت أشاركك وأنت «تدفن الماضي»، ولكن بصفة متقطعة أيام كنت في بغداد، فلما حلت بين يدي اليوم هديتك كاملة شاملة شكرت لكم ذلك التفضل منكم والتكرم، فإني وأنا أؤرخ لجامعة القرويين وجدتني في حاجة ماسة إلى استشارة سائر الكتب وما قيل عن مدينة فاس باعتبارها الهالة التي تحتضن هذه القرويين... وسائر ما كتب وما قيل عن المغرب باعتباره مدينا ـ سواء شعر أو لم يشعر ـ لهذا البيت العتيق كما أراد له الفاتحون الأولون... وسائر ما كتب وما قيل عن الحركات الوطنية باعتبار أن «القرويين» ظلت مركز إشعاعها ومهد ثورتها منذ كان للمغرب كيان... كنت مضطرا فعلا لذلك لأن التعريف بالقرويين لن يتم بغير ذلك.
ولقد قرأت لبعض الأجانب من أمثال ريبرنيد، وطارو، وايدوارد، ولوتورنو... كتبوا عن الحياة في فاس، وعن الحب فيها، لكن كتابة معظمهم كانت مغرضة أو ناقصة، أو مرتبكة، بيد أن حديثك عن فاس كان حديث المنصف المتثبت المستوعب...  ولن يقدر مجهودك إلا من عني بتاريخ هذه المرحلة من حياة المغرب... ولن يشعر بالمتعة كاملة إلا من سلك معك خطواتك من دار بن كيران إلى دار التازي إلى رجوع جلالة محمد الخامس من منفاه... لقد برهنتم على أن القلم المرهف في استطاعته أن يقوم مقام أبرع ديكور وأجمله وأدقه، ولا أبالغ إذا قلت أن حاجة المؤرخ إلى كتابك لا تقل عن حاجة الأديب إليه إن لم تكن تفوقها لأنه تناول تاريخ حقبة نصف قرن أو يزيد في أسلوب مرح خفيف لا يقتحم معه زوايا المؤرخين المظلمة الباردة، ولا أساليبهم المغفلة العابسة! ولكن يسير بهم الهوينا من (أيام فاس الدامية 1912) إلى (احداث الثلاثين) و(أحداث 36 و(أحداث 37) و(أحداث 44) إلى (احداث 53) إلى «حادثة وادي زم» وما أدراك ما «حادثة وادي زم» التي كادت تنسى بمئاسيها وزعماء تهدئتها! إلى يوم الفرحة الكبرى.
ترجم كثير من الكتاب لأنفسهم وحبذا ما كانوا يصنعون فإننا من خلال ذلك نقرأ تاريخا آخر للمحيط الذي يؤويهم لكن كتابك لم يكن ترجمة لك وحدك بل كان لك ولي وللآخرين لكن تواضع عبد الكريم أبى عليه إلا أن يعني بالتاريخ أكثر مما يعني «بالأنا!» وقد أكبرت فيك ذاكرتك التي لم تنس كثيرا من ذلك الماضي الذي قلت أننا دفناه! وقدرت تصويرك الدقيق لكثير من المظاهر الاجتماعية التي كانت تحياها ـ وبعضها مايزال ـ أسرنا إلى الأمس القريب... تصويرك لمنعرجات فاس وأزقتها وقد اضطرت المارة للركوع أمام البهائم! أو الالتصاق بالجدار اتقاء شر البغال! كنت أتصوركم وأنتم تتحدثون عن جو الخدم في المطبخ، والبدو في الأرياف، والنساء في مجالسهم كأنك عشت بين ظهراني هؤلاء وأولئك ردحا من الزمان... والطريف في قصتك أنها تبتدئ مجتمعة في «المخفية» لتتسع وتتفرع وتزداد امتدادا ثم لا تلبث أن تنقلب لتتجمع وتقف عند عبد الرحمن...
إنني ـ ونحن نتوق إلى تعريف الأجانب بنا ـ لا أكتمك رغبة أرجو تحقيقها: ذلك أن نتوفقوا لترجمة القصة إلى لغة أجنبية، فإني على ثقة تامة من أنها ستجد لها الآف القراء وخاصة منهم الذين يردون على هذه البلاد ويطرحون سؤالهم عن الماضي... إني ـ وأنا أكرر الطلب بل أرفعه إلى الهيئات الثقافية في بلادنا ـ أومن ـ بما في هذا الإيمان الحق من مرارة ـ بأن الكتاب العربي لاسيما والقصة منه يظل مقبورا مغمورا إن لم نعمل على نقله إلى لغة أخرى في عالم يقرأ فيه الروسي للأمريكي والأمريكي للروسي وهلم... ترجم قصتك فإنها نعمت السفارة تبعث بها إلى الذين ناوا عنك وعن بلادك بل إنها لنعم الهدية تقدمها لهؤلاء الذين يقرأون من اليسار إلى اليمين منها، من مواطنينا نحن في المغرب..
لي بعض الملاحظات على ما قرأت، أرى من حقك علي أن أهمس بها إليك.
فأولا كنت أود أن تخصصوا فصلا أو فصلين للحديث عن اقتحام البنت المغربية للمدرسة وما أحدث من بعض المضاعفات فإني لا أقتنع بالحديث العابر الذي سقتموه صفحة 137.
ثانيا ـ وأنت تعلم أنني ألفت في أعراس فاس! ـ أن الفتاة من حقها أن تحضر في الأعراس ولكن المناسبتين اللتين لا تحضرهما البنت هما: عيادة المريض وتهنئة النفساء وعلى هذا أجرى المثل الفاسي «عاتق باب الجيسة تطل على المريض وتهني النفيسة».
ثالثا هناك حقيقة تاريخية لا يمكن أن نغفل عنها وهي أن الحركة الوطنية خرجت من عقر بيوتنا نحن، من المسيد، إلى المسجد، قبل أن تمتلئ رؤوس الشبيبة بالأفكار التي تلقاها عبد الرحمن في المدرسة الفرنسية (الفصل 25)
رابعا اختلط على القلم احداث 1936 التي قام فيها بالنجارين سفيرنا الحالي بإيران ليقول فينا نحن المتظاهرين: «أزفة الآزفة»، واحداث 1937 التي وقف فيها نوكيس ليقول: «انه سيسحقنا تحت قدمه» ص 217.
خامسا كنتم جد موفقين في الأسماء التي استعرتم للناس بما فيهم أسماء الرجال والنساء، بما فيهم الخدم، في المدينة والقرية بيد أن أسماء العلماء كانت بعيدة عن طبلة آذاننا... ولعلها أقرب إلى حي بولاق منها إلى حومة المخفية (ص 140).
سادسا كنت أعتقد أنه ينبغي الالتزام ـ كما فعلتم مرارا ـ بذكر بعض المفردات المحلية فإنها تعيد إلى الذاكرة الصورة الحقيقية للظروف التي مرت علاوة على ما في ذلك من عمل على الاحتفاظ بذلك المفرد كأثر... مثل المرمة عوض (المطرزة) ص 280 العروبية عو (الضيعات) 97، المحبس عوض (الحلاب) 383، العولة عوض التموين ص 46 الاذرع عوض (الامتار) ص 165 الخ الخ.
سابعا بالنسبة للذين يقرأون الكتاب في خارج فاس أو المغرب أرى أنه من المناسب جدا أن تفسروا لهم في الهامش عند أول مناسبة بعض المصطلحات المحلية مثل الغرامة (67) والمسيد (9) والاسفنج (13) والمنصورية والملاح ص 10، واللبدة (100) والتسليم (63) والفلاقة (94) والمراح 111 والزوالغ ص 117 وقب الجلابة 197 والجوزة 349 الخ الخ
ثامنا مؤاخذتي للذين عهدتهم إليهم بالتصحيح فلقد ندت عنهم بعض الأشياء مما يعثر القراء المشارقة بصفة خاصة.
ومع كل ذلك فإننا نحن جيل الوسط ـ لابد أن نجزل الشكر والتقدير لما أتحفت به خزانة التاريخ وخزانة الأدب وخزانة الآداب الشعبية والخزانة الاجتماعية...
وإننا وقد أوشكنا أن نأخذ بناصية المصادر المتناثرة هنا وهناك مما يتناول تاريخنا القديم جدير أن نتوجه ـ أو على الأقل بعض منا ـ إلى وجهة أخرى من «الترفيه والترف التاريخي» أي أن نتناول تاريخنا في قصص من هذا النوع تستهدف الحقيقة ولكنها تتوسل إليها بالطرق التي أمست اليوم لدى طائفة مهمة من الناس معبدة محببة.
وأخيرا عسى أن يتحرك قوم آخرون فيدفنوا الماضي في سلا والرباط وتطوان ومراكش وبني يازغة ووادي زم ووجدة ومكناس وغير هذه، فنحن على يقين من أن لكل واحد ما يقول.. وخير لنا أن نكتب بأناملنا هذا التاريخ المشرق، وخير جدا أن نفعل ونحن متحلون بالنزاهة فيما نقول، وخير جدا أن نسمو فيما نكتب إلى سمو التاريخ نفسه الذي لا يرضى أن يقع ضحية كثير من التزييف والتضليل.

----------------------------------------------------

 نصفُ قرن على رواية تأسيسيّة

نجيب مبارك

24 ديسمبر 2016

ليس هناك اتفاقٌ تامّ، حتّى اليوم، بين النقّاد المغاربة حول نشأةِ الرواية المغربية أو تاريخ صُدور أوّل نص روائي، على عكس الحال في المشرق، حيث هناك إجماع كامل تقريباً على رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل كأوّل عمل روائي مُكتمل في الأدب المصري والعربي. الخلافُ الذي لم يُحسم بعد حول هذا النصّ الأوّل، باعتباره حجر الأساس أو الانطلاقة الحقيقية لمسيرة الفن الروائي في البلاد، راجعٌ في الواقع إلى تفاوتِ قيمة النّصوص الّتي تقترب من جنس "الرواية"، خصوصاً تلك التي صدرت خلال النّصف الأول من القرن العشرين، وبالتّالي تعدّد القراءات حسب المنظور النقدي والمنهجي لكلّ ناقد أو مؤرخ أدبي.

أغلبُ النقّاد يعتبرون كتاب "الزاوية" لمؤلّفه التّهامي الوزّاني، الصادر سنة 1942 في تطوان، أوّلَ نصٍّ روائيّ مغربي باللّغة العربية، رغمَ أنّه بالأساس عملٌ أوتوبيوغرافي يسردُ وقائع حيّة من طفولة وحياة الكاتب وتكوينه الروحي في إحدى الزوايا الصوفية، إذ يُعلن التهامي الوزّاني منذ البداية هدفَه الصّريح دون مواربة: "أريدُ أن أتحدّث عن صفحة من أجمل صفحاتِ حياتي، تلك هي حياة الرّهبانية والانقطاع للعبادة والتفرّغ لما يطهّر النفس ويهذّبها. فلا بدّ من ربطِ هذه الفترة الزّمانية بعصرٍ سبقها كنتُ فيه صُوفياً بطريق الوراثة والنّشأة". من هذا المقتطف يظهر بجلاء الطّابع السيري الذي وسمَ باقي صفحات "الزاوية"، لكن تبقى ميزة هذا الأخير أنّه كُتب بأسلوب أدبيّ مختلف عن أسلوب القصص والمقالات الصحافية المتداول خلال تلك الفترة.

هناك أيضاً من النقاد مَن يرى أنّ أوّل عمل روائي هو كتاب آخرٌ، كان مجهولاً لفترة طويلة، يحمل عنوان "طه"، لمؤلفه أحمد السكوري، وقد صدر سنة 1941. بل منهم مَن يعود إلى سنة 1932، ويعتبر "الرحلة المراكشية" لابن المؤقّت هي أوّل رواية مغربية، وهي رحلة متخيّلة تُعيد صياغة الواقع بغاية انتقاد القيم الفاسدة في المجتمع واعتماد خطاب إصلاحي محافظ. لكن ما يلفت في هذه النصوص، حسب بعض الآراء، أنّها تبقى في مجملها نصوصاً "ما قبل - روائية" أو "شبه - روائية" في أحسن الأحوال، ولا ترتقي إلى مستوى الرواية، لأنها تستدعي فقط تاريخ الذات وأخبار المجتمع وتركّز في الغالب على سرد تجارب حياتية خاصة كالتّربية والتّعليم والعائلة.

في عقد الخمسينيات، صدر كتاب بعنوان "في الطفولة" (1957) للكاتب عبد المجيد بنجلون. هذا الكتاب يمكن اعتباره فعلاً أوّل سيرة ذاتية - روائية مكتملة في الأدب المغربي الحديث، إلّا أنّه مع ذلك ليس روايةً بالمعنى المتعارف عليه حالياً، ولهذا نجد الخلاف بشأنه مسمرٌّ فيما يتعلّق بأحقّيته أن يكون أوّل نص روائي مغربي. 

لكن، بعد سنوات من حصول المغرب على استقلاله، ستتغيّر كثيرٌ من المعطيات والأوضاع في البلاد وسينعكسُ ذلك مباشرة على الإنتاجِ الثقافي وجودته مقارنةً بفترة الحماية. هكذا، ستتحرّر الأقلامُ تدريجياً من أَسر الكتابة الذاتية التي شاعت وميّزت المرحلة السابقة، ليدخل الأدب المغربي في مرحلة تأسيسية حقيقية في أجناس مختلفة، من ضمنها الرواية. خلال هذه الفترة، ستصدرُ رواية مهمّة بعنوان "دفنّا الماضي"، في عام 1966، للصّحافي والأديب عبد الكريم غلّاب، الّذي أصدرَ عاماً قبل ذلك كتاباً بعنوان "سبعة أبواب"، يوثّق لتجربته في سجون الاحتلال الفرنسي.

يُمكن اعتبار "دفنَّا الماضي"، لأسباب كثيرة وَجيهة، أوّلَ روايةٍ مغربية حقيقية مكتملة الشّروط الفنية. فهي دشّنت لوعيٍ أدبيّ جديد ومتطوّر على مستوى الكتابة للتّعبير عن حالات اجتماعية وإنسانية معيّنة بمهارة فنّية عالية، فضلاً عن كونها وثيقة نجحت في وصف أطوار الصّراع والانتقال في المجتمع المغربي حين كان يحاول التخلّص من أغلال الماضي وقيوده الّتي استحقّت الدّفن، لينخرط في زمنه الحاضر بمشاكله وتعقيداته ويعانقَ المستقبل بآماله وتطلّعاته. ورغم أنّ هذه الرواية تعرّضت لانتقادات عنيفة في فترات سابقة، لأسباب إيديولوجية محضة، باعتبارها رواية تقليدية شكلاً ومضموناً وخيالاً، تعجّ بالكليشيهات والصور الإثنوغرافية الفلكلورية لظواهر اجتماعية عدّة، ولم تتجاوز النّظرة السطحية أحياناً للغوص عميقاً بدواخل الشخصيات، إلّا أنه يمكن أن نغفِر لها مثل هذه الهِنات والنواقص، شأنها شأنَ أيّ تجربة أدبية تأسيسيّة، ليس مهمّاً أن تكون في غاية الجودة والكمال، بقدر أن تكون متوفّرة على الشروط الفنّية الضروريّة التي تسمحُ باعتبارها رواية، وهو واقع الحال بالنسبة لـ "دفنّا الماضي".

إنّ وجهة النّظر الأكثر إنصافاً وموضوعيةً، في رأيي، هي التي تعتبر "دفنَّا الماضي" أوّلَ رواية مغربية بالمعنى الأوروبي لكلمة Novel.  لقد اشتهرت هذه الرواية وانتشرت في العالم العربي منذ أواخر الستينيات، وتُرجمت إلى اللّغة الفرنسية، وهذا يعود إلى استيفائها كلّ الأسس الفنية والجمالية للرواية الحديثة، ولو بمقاييس فترة صُدورها على الأقلّ. كما يُحسب لها أنّها حاولت أن تكون ندّاً للرواية المشرقية، تلك التي مثّلت بالنسبة لجيلِ عبد الكريم غلّاب، وباقي الروّاد المغاربة، المرجعَ الأوّل والأخير والمثال المُحتذى في الفنّ الروائي.

أخيراً، لا يمكن أن ننسَى دورَ عبد الكريم غلّاب الذي حاول السّير على خُطى نجيب محفوظ في تأصيل وتحديث الرواية المغربية. فهو وإن لم يحقّق إلّا القليل ممّا طمح إليه، وأقلَّ القليل ممّا حقّقه محفوظ بالنسبة للرواية المصرية والعربية، ربّما لأنه لم يستثمر ريادته جيّداً لخوض مغامرة التّحديث والتّجريب إلى أبعد مدى، رغم غزارة إنتاجه القصصي والروائي والصحافي منذ الستينيات إلى بداية الألفية الثالثة، إلّا أنّ هذا لا يبخس من قيمة التّأثير الكبير لهذا المثقّف الوطني اللّامع والأديب المتعّدد الاهتمامات، على جيلِ ما بعد الاستقلال وما تلاهُ من أجيال.

إنّ عبد الكريم غلّاب يستحقّ، عن جدارة، أن يُذكر اسمُه دائماً كأحد الروّاد المؤسّسين في الأدب المغربي الحديث، فقد نجحَ في مهمّة عجز عنها كثيرون من قبل، تمثّلت في تجاوز عائق كبير، هو تأخُّر ظهور الفنّ الروائي في المغرب مقارنة بالمشرق العربي، وبذلك يمكن القول أنّ "دفنّا الماضي" يسّرَت للرواية المغربية الخروج نهائياً من لحظات المخاض الطّويلة التي مرّت بها.

التالي
السابق

------------------------------------------

عدد الزوار