التالي
السابق
لا مفهوم للثقافة ...

عبد الكريم غلاب

لا مفهوم للثقافة ... ، 1999

طبعة واحدة

دار نشر المعرفة ، الرباط

الثقافة هي الحياة
المثقف حي مادام ارتباطه بالثقافة يتطور تطور الثقافة نفسها.
مشروع الثقافة لم يصل إلى نهايته، ولم يتوقف منذ كان الإنسان. فليس لمشروع ثقافي أن يزعم أنه حقق الهدف، وليس لإنسان يتثقف - من المهد إلى اللحد - أن يزعم أنه وصل.
ربما كان العاملون في الحقل الثقافي هم أشقياء المتعلمين، الذين يسيرون دائما وراء سراب يحسبونه قريبا، وهو في الحقل الثقافي بعيد.
كثير من المثقفين يعرفون هذا، ويعيشون، بعناد، مع مشروع الثقافة، حتى ليقضون، ولم يحققوا منه ما يريدون.
سعداء بهذا الشقاء. فالمتعة الفكرية التي يحققونها، وهم يقرأون وهم يكتبون وهم يفكرون ويحللون وهم يجادلون ويحاورون، لاتعادلها متعة مادية ولامعنوية أخرى.
ظِماء دائما للمعرفة. كلما قرأوا وجدوا أنفسهم دون ما كان يجب أن يقرأوا، يجدون أنفسهم يستقبلون الجديد ويكتشفون القديم مما يجب أن يقرأوا. الحقل غني معطاء، ولو أعلن اليائسون عن ارتياعهم من زحف الصحراء. كلما فكروا أو كتبوا يجدون أنفسهم في الخطوة الأولى من الألف ميل، دون الخطوة الثانية بقية حياتهم.
يحاصرهم صخب الحياة في زوايا مهجورة معزولة. ومع ذلك يتصوفون، فيقنعون بالزاوية الضيقة المعتمة يستعينون بقنديل ديوجين مؤمنين بأنهم سيجدونها.
لولا المحاصرة والفقر والمكابدة وانصراف الضجة عنهم لمات المشروع منذ عهد أرسطو وأفلاطون.
يكاد المجتمع لايعترف بالثقافة والمثقفين ولو أخذ ينشئ لها في كل حكومة وزارة هزيلة تنفي التهمة عن الحكومة، أكثر مما تنشر للثقافة رداء، أو تغرس لها حقلا، أو توسع لها فضاء. في بلد عربي - غني ثقافيا، وكل شيء نسبي - ارتأى اتحاد الكتاب بمناسبة تأسيسه أن يقوم بزيارة مجاملة لرئيس الحكومة، فكان أول سؤال وضعه على نخبة المثقفين والكتاب :
- من أنتم ؟ وماذا تعملون ؟
دخلوا مع السيد الرئيس مدرسة رفع الأمية. وكانوا سعداء، وهو صادق في تجاهلهم.
وما يزال المثقفون يسيرون نحو السراب تحدوهم عزيمة لا تلين، وشكوى تنطلق أحيانا من حناجر مبحوحة، لا تطيق التجاهل والهجران والعزلة......
لا مفهوم للثقافة.
هذا الكتاب قد يكون نقطة في محيطها. ولكنه قد يحقق خطوة في المسيرة. ليس نتاج ارتجال أو مجرد عنوان تنضاف إلى عناوين. ولكنه يحاول. والذين أحدثوا حدثا في مسيرة الثقافة كانوا دائما يحاولون.
حسبي أن يربط صلة فكرية مع عدد من القراء، مهما تكن محدوديته. وسأكون سعيدا بأني حققت الكثير من خلال صلة فكرية مع فكر قارئ. لولا اعتزازي بهذا الذي قد يتحقق لما بذلت فيه من الجهد ما أقنعني بأني فعلت.

------------------------------------------

عدد الزوار